صديق الحسيني القنوجي البخاري

48

فتح البيان في مقاصد القرآن

الرَّحْمنُ خبر مبتدأ محذوف أي هو الرحمن ، أو بدل من الضمير في استوى وقرىء بالجر على أنه نعت للحي ، أو للموصول ، وقيل أو مبتدأ وخبره فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً على رأي الأخفش . والضمير المجرور يعود إلى ما ذكر من خلق السماوات والأرض ، والاستواء على العرش والمعنى فاسأل بتفاصيل ما ذكر إجمالا من هذه الأمور عليما . وقال الزجاج والأخفش : الباء بمعنى عن ، أي فاسأل عنه كقوله : سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [ المعارج : 1 ] والمراد بالخبير اللّه سبحانه لأنه لا يعلم تفاصيل تلك المخلوقات إلا هو ، وقيل جبريل عليه السلام : والأول أولى وما قيل : إن التقدير إن شككت فيه فاسأل به خبيرا ، على أن الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلم ، والمراد غيره فهو بمعزل من السداد ؛ وقيل فاسأل به من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه ، وقيل إن الضمير للرحمن ؛ أي إن أنكروا إطلاقه عليه سبحانه فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم . وانتصاب خبيرا على المفعولية . أو على الحال المؤكدة واستضعف الحالية أبو البقاء . وقال ابن جرير : المعنى فاسأله حال كونه خبيرا وعلى هذا الباء في به زائدة وقيل قوله : بِهِ يجري مجرى القسم كقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ [ النساء : 1 ] والوجه الأول أقرب هذه الوجوه ، ثم أخبر سبحانه عنهم بأنهم جهلوا معنى الرحمن فقال : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ قال المفسرون : إنهم قالوا : ما نعرف الرحمن . إلا رحمن اليمامة ، يعنون مسيلمة قال الزجاج : الرحمن اسم من أسماء اللّه فلما سمعوه أنكروا فقالوا : وما الرحمن ؟ أَ نَسْجُدُ الاستفهام للإنكار أي : لا نسجد لِما تَأْمُرُنا أي للرحمن الذي تأمرنا بالسجود له ، ومن قرأ بالتحتية فالمعنى أنسجد لما يأمرنا محمد ، بالسجود له . قيل هذه السجدة من عزائم السجود فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند سماعها وقراءتها . وَزادَهُمْ الأمر بالسجود نُفُوراً عن الدين وبعدا عنه . وقيل : زادهم ذكر الرحمن تباعدا من الإيمان ، كذا قال مقاتل . والأولى أولى ، ثم ذكر سبحانه ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن ، فقال : تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً المراد بها ، بروج النجوم السبعة السيارة ، أي منازلهم ، ومحالها الاثنا عشر ، التي تسير فيها . وقال الحسن ، وقتادة ، ومجاهد : هي النجوم الكبار ، سميت بروجا لظهورها ، والأول أولى وأصل البروج : القصور العالية . لأنها للكواكب كالمنازل الرفيعة لمن يسكنها ، واشتقاق البروج من التبرج ،